الشيخ محمد النهاوندي

14

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

[ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 10 ] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 10 ) ثمّ حثّ سبحانه المؤمنين إلى الاصلاح بين المقاتلين والمنازعين منهم بقوله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ فقط إِخْوَةٌ وأشخاص متحابّون ، كالمنتسبين إلى أب واحد وأم واحدة . روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله قال : « المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يشتمه ، ومن كان في حاجة أخيه كان اللّه في حاجته ، ومن فرّج [ عن ] مسلم كربة فرّج اللّه عنه بها كربة من كربات يوم القيامة ، ومن ستر مسلما ستره اللّه يوم القيامة » « 1 » . عن الصادق عليه السّلام : « المؤمن أخو المؤمن لأبيه وامّه ، لأنّ اللّه خلق المؤمنين من طينة الجنان ، وأجرى في صوركم من ريح الجنة » « 2 » . وعنه عليه السّلام أنّه سئل عن تفسير هذا الحديث : « المؤمن ينظر بنور اللّه » فقال : « إنّ اللّه خلق المؤمنين من نوره ، وصبغهم في رحمته ، وأخذ ميثاقهم لنا بالولاية على معرفته يوم عرّفهم نفسه ، فالمؤمن أخ المؤمن لأبيه وامّه ، أبوه النور ، وامّه الرحمة ، وإنّما ينظر بذلك النور الذي خلق منه » « 3 » . أقول : يمكن أن يكون وجه آخر لاخوّتهم ، وهو أن ولادتهم الايمانية من الرسول والوصي عليهما السّلام ، كما قال : « أنا وعليّ أبوا هذه الامّة » « 4 » . وعنه عليه السّلام : المؤمن أخ المؤمن ، عينه ودليله ، لا يخونه ولا يظلمه ولا يعيبه ، ولا يعده عدة فيخلفه « 5 » . ثمّ رتّب سبحانه على أخوّتهم ما هو من لوازمها ، وهو كون كلّ منهم مجدّا في تحصيل صلاح الآخر بقوله تعالى : فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وأرفعوا التنازع منهم ، وحصّلوا التوادّ والرحمة فيهم وَاتَّقُوا اللَّهَ في جميع الأمور التي منها ما أمرتم به من الاصلاح وإيجاد التراحم بين المؤمنين لَعَلَّكُمْ من قبل ربّكم تُرْحَمُونَ على إحسانكم بهم وتقواكم من اللّه . [ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 11 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 11 ) ثمّ إنّه تعالى بعد بيان وظيفة المؤمنين بالنسبة إلى الظالم والمظلوم منهم ، ووجوب إحقاق حقّ المظلوم ، نهى عن إهانة المؤمن بذكر ما يوجب وهنه وتحقيره بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اعلموا

--> ( 1 ) . مجمع البيان 9 : 200 ، تفسير روح البيان 9 : 78 . ( 2 ) . الكافي 2 : 133 / 7 ، وتفسير الصافي 5 : 51 ، عن الباقر عليه السّلام . ( 3 ) . بصائر الدرجات : 100 / 2 ، تفسير الصافي 5 : 51 . ( 4 ) . سعد السعود : 275 ، تفسير الصافي 5 : 52 . ( 5 ) . الكافي 2 : 133 / 3 ، تفسير الصافي 5 : 51 .